لم تكن أيامها عادية. كل صباح كانت تستيقظ وهي تشعر أن جسدها لم يعد يطيعها كما كان من قبل، كل خطوة صغيرة كانت تحتاج جهدًا مضاعفًا، وكل حركة بسيطة كانت تحمل معها ألمًا لا ينقطع. لم يكن الوجع في الظهر فقط، بل في القلب أيضًا، خوفًا من أن تفقد حياتها الطبيعية إلى الأبد.
الحالة التي نرويها اليوم تحكي عن معاناة طويلة مع مشكلة خطيرة في النخاع الشوكي والعمود الفقري، مشكلة بدأت بأعراض بسيطة، ثم تطورت تدريجيًا حتى وصلت إلى شلل نصفي مؤقت، جعلها تشعر بالعجز، وكأن بساط الحياة انسحب من تحت قدميها فجأة.
البداية التي لم ينتبه لها أحد.
في البداية ظنت أن الأمر مجرد إرهاق أو شد عضلي عابر. فكل ما شعرت به كان آلام في أسفل الظهر، وتنميل في الساقين، وثقل في الحركة، وتعب غير مفهوم. أعراض سمعت عنها من كل امرأة تعرفها، لذلك تجاهلت الأمر حتى لا تعطل حياتها ومسؤولياتها اليومية. ومع مرور الوقت، لم يعد الألم مجرد ضيف عابر، بل أصبح رفيقًا دائمًا.
بدأت تشعر أن أطرافها لم تعد كما كانت، خطواتها غير ثابتة، وجلوسها وقيامها يحتاجان مجهودًا أكبر. ثم جاءت اللحظة الأصعب عندما لاحظت ضعفًا واضحًا في إحدى ساقيها، تبعه تدريجيًا فقدان جزء من الإحساس. هنا أدركت أن الأمر لا يجب السكوت عنه بعد الأن.
رحلة البحث عن ماهية الأمر والتشخيص الصحيح.
تنقلت بين أطباء كثيرين، وكل زيارة كانت تحمل أملًا صغيرًا سرعان ما ينطفئ سريعًا. مسكنات، وجلسات علاج طبيعي، ونصائح بالراحة، لكنها كانت تعود إلى منزلها بنفس الألم ونفس القلق. الأصعب لم يكن الألم الجسدي وحسب، بل الشعور بالحيرة. فهناك الآلاف من الأسئلة لا تجد لها إجابة: لماذا لا أتحسن؟ لماذا يزداد الأمر سوءا؟ لماذا لا تختفي تلك الأعراض؟ ماذا لو فقدت القدرة على المشي؟ ماذا لو ازداد الألم أكثر ليشمل جسدي كله؟ ماذا لو لم استطع رعاية أسرتي؟ ماذا لو لم أعود كما كنت في السابق؟
ثم تحققت أسوأ مخاوفها، وجاءت اللحظة التي تخشاها أكثر من أي شيء آخر.
لحظة التحول التي غيرت المعادلة بالكامل.
نامت في ليلة مثل أي ليلة، ولكنها استيقظت لتجد أن اليوم هو أكثر يوم تخافه، اليوم الذي أصبحت فيه الحركة شبه مستحيلة، وبدأ الشلل النصفي المؤقت يفرض نفسه على حياتها، فتحول القلق إلى خوف حقيقي على المستقبل.
في واحدة من أكثر لحظاتها ضعفًا، التقت بـ أ.د. محمد فتحي عيسى، استشاري جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري. لم يكن اللقاء مجرد كشف طبي، بل كان بداية لفهم حقيقي للحالة.
استمع لتفاصيلها بدقة، ربط الأعراض ببعضها، وطلب الفحوصات اللازمة، وعلى رأسها الرنين المغناطيسي. وهنا ظهرت الحقيقة، مشكلة خطيرة في النخاع الشوكي والعمود الفقري كانت تضغط على الأعصاب، وتمنع الإشارات العصبية من الوصول بشكل طبيعي للأطراف.
شرح لها الحالة بهدوء ووضوح، دون تخويف، لكن بصدق تام لتكون معه على المسار الصحيح. كانت العملية الجراحية ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الوظائف العصبية قبل أن يتحول الشلل المؤقت إلى دائم. لم يكن قرار الجراحة سهلًا. الخوف من المجهول، والقلق من المخاطر، والتفكير في المستقبل، كلها مشاعر اجتمعت في قلبها.
لكنها شعرت لأول مرة أنها أمام طبيب لا يرى الحالة كرقم، بل كإنسانة تحتاج للأمان قبل العلاج. شرح لها خطوات العملية، أهدافها، نسب النجاح، وفترة التعافي المتوقعة. وهنا اتخذت القرار الأصعب والأشجع في حياتها، أن تمنح جسدها فرصة جديدة للحياة.
طريق العودة الذي انتظرته طويلا.
أُجريت العملية الجراحية بدقة عالية، اعتمادًا على تقنيات حديثة تحافظ على الأنسجة العصبية وتخفف الضغط عن النخاع الشوكي. لم تكن العملية سهلة، لكنها كانت محسوبة في كل خطوة، هدفها الأول حماية الأعصاب وإعادة المسار الطبيعي للإشارات العصبية.
بعد الإفاقة من التخدير، لم تكن النتائج فورية، لكن كان هناك شعور مختلف. الألم بدأ يهدأ تدريجيًا، والإحساس بدأ يعود ببطء، وكأن الجسد يتعلم من جديد كيف يتحرك. وفي الأيام التالية، بدأت المريضة تلاحظ تحسنًا ملموسًا في قدرتها على الحركة. حاولت الوقوف، ثم المشي بخطوات صغيرة، ثم بثقة أكبر يومًا بعد يوم.
الشلل النصفي المؤقت الذي سيطر على حياتها بدأ يتراجع، والإحساس عاد تدريجيًا، والقوة العضلية بدأت تتحسن، ومعها عاد الأمل الذي غاب طويلًا. لم يكن التعافي مجرد شفاء جسدي، بل شفاء نفسي أيضًا. كل خطوة كانت انتصارًا، وكل حركة كانت رسالة أن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد.
الجزء الأهم من رحلة العلاج.
لم تنتهِ الرحلة عند باب غرفة العمليات. كانت المتابعة المستمرة، والعلاج الطبيعي، والإرشادات الطبية جزءًا أساسيًا من خطة التعافي. كان الهدف ألا تعود فقط للمشي، بل أن تعود لحياتها الطبيعية بثقة وأمان دون خوف من تكرار المشكلة، وأن تعود لرعاية أسرتها بلا قلق أن الغد ربما يأتي بدونها.
قصة هذه المريضة تذكرنا أن الطبيب المناسب لا يقدم علاجًا وحسب، بل يمنح طمأنينة، وأملًا، ومسارًا واضحًا للشفاء. كما تذكرنا أن الاستسلام للألم ليس حلًا، وأن تجاهل الأعراض البسيطة يمكن أن تتحور إلى ما لا يحمد عقباه.
وراء كل حالة ناجحة إرادة مريضة رفضت الاستسلام، وطبيب حمل مسؤولية الإنسان قبل المرض.

