العمود الفقري ليس مجرد مجموعة عظام متراصة، بل هو الدعامة الأساسية التي يقوم عليها الجسم كله. يحمل الوزن، ويمنح القدرة على الوقوف والحركة والالتفاف والانحناء، والأهم أنه يحمي الحبل الشوكي، ذلك الطريق العصبي الرئيسي، الذي يربط المخ بكل عضو وعضلة في الجسم. من خلاله تمر الإشارات التي تسمح لنا بالمشي، والإحساس. لذلك فأي اضطراب يصيب العمود الفقري لا يقتصر أثره على الألم وحسب، بل يمتد ليؤثر على حياة الإنسان بالكامل.
حين يحدث خلل في إحدى فقرات العمود الفقري، سواء بسبب انزلاق غضروفي، أو تضيق في القناة الشوكية، أو كسور، أو أورام، يبدأ الضغط على الأعصاب أو على الحبل الشوكي نفسه. هذا الضغط قد يظهر في صورة ألم حاد، أو ضعف في الأطراف، أو تنميل، أو صعوبة في الحركة والتوازن، وقد يصل في بعض الحالات إلى فقدان جزئي للإحساس أو السيطرة على بعض الوظائف الحركية.
الألم الذي يتسلل في صمت.
في كثير من الأحيان لا يبدأ الألم بشكل عنيف، بل كإشارة بسيطة، وخز متكرر في الظهر أو الرقبة، أو ثِقل في الكتفين، أو تنميل في اليد أو الساق، أو إحساس بعدم الراحة بعد الجلوس لفترات طويلة. كثيرون يظنون أن الأمر مجرد إرهاق، أو نتيجة لوضعية خاطئة أثناء العمل أو النوم، فيتجاهلونه.
لكن هذا الألم الصغير هو في الحقيقة رسالة من الأعصاب. رسالة تقول إن هناك ضغطًا أو تضررًا مستمرًا داخل العمود الفقري أو بالقرب من الحبل الشوكي. ومع الوقت، إذا لم يتم التعامل معه بشكل صحيح، قد يتحول هذا الوخز البسيط إلى ضعف في الحركة، وفقدان في الإحساس، وتدهور في القدرة على القيام بالأنشطة اليومية، بل وقد يصل إلى مضاعفات يصعب علاجها لاحقًا.
لماذا عليك التوقف والاهتمام بمشاكل العمود الفقري؟
الحبل الشوكي لا يتحمل الضغط طويلًا. أي ضغط مستمر عليه يعني نقص وصول الإشارات العصبية للأطراف، ومع استمرار الضغط قد تتلف بعض الخلايا العصبية التي لا تتجدد بسهولة.
لذلك فإن التأخر في العلاج قد يؤدي إلى:
- ألم مزمن يصعب السيطرة عليه بالأدوية.
- ضعف تدريجي في العضلات.
- صعوبة في المشي أو فقدان التوازن.
- تنميل أو فقدان الإحساس في الأطراف.
- في الحالات المتقدمة، فقدان القدرة على الحركة بشكل طبيعي.
وهنا تتحول المشكلة من مجرد وجع في الظهر، إلى عائق حقيقي أمام الحياة اليومية والاستقلالية الشخصية للمريض.
الجراحة هي طريق الحماية الأمثل.
حين يسمع المريض كلمة “جراحة”، قد يتخيل أنها خطوة أخيرة ومخيفة. لكن في الحقيقة، جراحة العمود الفقري في كثير من الحالات ليست لإزالة ألم مؤقت، بل هي خطوة وقائية استراتيجية تهدف إلى حماية الأعصاب والحفاظ على وظائف الجسم قبل أن تتضرر بشكل دائم.
الجراحة تهدف إلى:
- إزالة الضغط عن الأعصاب والحبل الشوكي.
- تحسين وصول الإشارات العصبية للأطراف.
- استعادة استقرار العمود الفقري.
- تقليل الألم المزمن الذي يعطل الحياة اليومية.
- منع تدهور الوظائف الحركية والحسية.
ولكنها تختلف عن جراحة العمود الفقري، فلا يتم اللجوء للجراحة مباشرة عند ظهور الألم. في البداية يعتمد العلاج على الأساليب التحفظية مثل الأدوية، والعلاج الطبيعي، وتعديل نمط الحياة، وأحيانًا الحقن الموضعية.
لكن الجراحة تصبح ضرورية عندما:
- لا تستجيب الحالة للعلاج التحفظي.
- يزداد الألم رغم العلاج.
- يظهر ضعف في الأطراف أو فقدان في الإحساس.
- يحدث ضغط مباشر على الحبل الشوكي أو جذور الأعصاب.
ومن أشهر الحالات التي قد تتطلب تدخلًا جراحيًا:
- الانزلاق الغضروفي الذي يضغط على جذور الأعصاب ويسبب ألمًا يمتد إلى الذراعين أو الساقين.
- تضيق القناة الشوكية الذي يؤدي إلى صعوبة المشي وفقدان التوازن.
- كسور أو تشوهات الفقرات التي تؤثر على استقرار العمود الفقري.
- الأورام أو التكيسات التي تضغط على الحبل الشوكي أو الأعصاب الطرفية.
الخطر الذي يضغط على الأعصاب في صمت.
من الحالات المهمة التي تستدعي التدخل الجراحي بدقة هي أورام العمود الفقري، سواء كانت أورامًا حميدة أو خبيثة، أولية أو منتقلة من أعضاء أخرى في الجسم. هذه الأورام قد تنمو داخل الفقرات، أو حول الحبل الشوكي، أو على جذور الأعصاب، ومع الوقت تبدأ في الضغط على النخاع الشوكي والمسارات العصبية الحساسة.
خطورة أورام العمود الفقري أنها قد تبدأ بأعراض بسيطة مثل ألم مستمر في الظهر لا يتحسن بالراحة، أو يزداد ليلًا، مع تنميل أو ضعف في الذراعين أو الساقين، وصعوبة في المشي أو فقدان التوازن، وأحيانًا اضطرابات في التحكم بالمثانة أو الأمعاء. ومع إهمالها، قد يتحول الضغط العصبي إلى فقدان تدريجي في الإحساس أو الحركة وقد يصل إلى شلل لا قدر الله.
لذلك يُعد التشخيص المبكر بالرنين المغناطيسي خطوة أساسية لاكتشاف الورم وتحديد حجمه ومكانه وتأثيره على الأعصاب. وجراحة أورام العمود الفقري تهدف إلى إزالة الورم أو تقليل حجمه، وتحرير الحبل الشوكي والأعصاب من الضغط، مع الحفاظ على استقرار العمود الفقري، وقد يُستكمل العلاج بالإشعاع أو الأدوية حسب نوع الورم. فكلما تم التدخل في وقت مبكر، زادت فرص الشفاء، وحُفظت وظائف الأعصاب والحركة.
ما يحدث أثناء الجراحة، وما يحدث بعدها؟
هدف الجراحة الأساسي هو تحرير الأعصاب والحبل الشوكي من الضغط الواقع عليهما. يتم ذلك عبر تقنيات دقيقة لإزالة الجزء الضاغط من الغضروف أو العظم أو الورم، مع الحفاظ على الأنسجة السليمة قدر الإمكان. وفي بعض الحالات، قد يتم تثبيت الفقرات للحفاظ على استقرار العمود الفقري ومنع حدوث حركة غير طبيعية تسبب الألم أو تلف الأعصاب.
ومع تطور الطب، أصبحت جراحات العمود الفقري تعتمد على تقنيات ميكروسكوبية ومناظير تقلل حجم الجرح، وتقلل الألم بعد العملية، وتسرع التعافي مقارنة بالطرق القديمة.
أما بعد الجراحة، فالهدف ليس فقط أن يختفي الألم، بل أن يعود المريض لحياته الطبيعية بأمان. فتبدأ مرحلة التعافي التي تشمل المتابعة الطبية والعلاج الطبيعي، لتقوية العضلات وتحسين الحركة ومنع تكرار المشكلة.
كثير من المرضى يلاحظون تحسنًا تدريجيًا في الإحساس والقوة العضلية، ويستعيدون قدرتهم على المشي والعمل والنوم بشكل أفضل.
في النهاية، لا تتجاهل الألم المستمر. ولا تعتقد أن المسكنات حل دائم. ولا تنتظر حتى تفقد قدرتك على الحركة لتطلب المساعدة. العمود الفقري هو أساس حياتك اليومية، وحماية أعصابك اليوم أفضل من محاولة إصلاحها غدًا.

